الفقرة الثامنة: في التقوى والورع
ذكرنا التقوى بجانب الورع لأنهما يطلقان أحياناً في النصوص أو في عبارات الناس ويراد كل منهما بالآخر، وأحياناً يراد بالورع الحالة الأرقى من التقوى، وأحياناً يراد بالتقوى المقام الأرقى من الورع وهو مذهب الغزالي.
وإن من التقوى إقامة الفروض العينية التي هي أثر عن واجبات وقت أو عصر.
ومن أهم طرق التقوى العبادة وخاصة إذا أدّيت في مقام الإِحسان، وانّ الإِحسان طريقه بعد الدخول في الإِسلام العمل الصالح والكف عن المعاصي، فذلك الذي يوصل إلى حقيقة الإِيمان التي هي مقام الإِحسان.
ولنكتف بهذه الإِشارات إلى التقوى فالاختصار فيه لا يكفي.
وأما الورع فننقل لك عن الغزالي ما قاله في درجات الورع الأربع.
قال رحمه الله:
الدرجات الأربع في الورع وشواهدها
أمّا الدرجة الأولى: وهي ورع العدول وهو كل ما اقتضت الفتوى تحريمه مما يدخل في مداخل الحرام المطلق الذي ينسب مقتحمه إلى الفسق والمعصية.
وأمّا الدرجة الثانية: فأمثلتها: كل شبهة لا يجب اجتنابها ولكن يستحب اجتنابها، وأما ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام، ومنها ما يكره اجتنابها فالورع عنها ورع الموسوسين، كمن يمتنع من الاصطياد خوفاً من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه وملكه، وهذا وسواس. وأمّا ما يستحب اجتنابها ولا يجب فهو الذي ينزّل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" [أخرجه النسائي والترمذي وابن حبان وصححاه]. ونحمله على نهي التنزيه.
أمّا الدرجة الثالثة: وهي ورع المتّقين، فيشهد لها قوله صلى الله عليه وسلم "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس" [أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه السيوطي]. وقال عمر رضي الله عنه: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام.

